الاثنين، 12 يونيو 2017

(الامن القومي العربي عامة و المصري خاصة)

 · 





(الامن القومي العربي عامة و المصري خاصة)
العوام المصرى

العوام المصرى مقال هام جدا و معلومات خطيرة عن الأهمية الإستراتيجية لجزيرتي تيران و صنافير بعنوان :
ما هو أبعد من «الجزيرتين» .. حقائق الأمن القومي
 إذا كنا ما زلنا نعتقد أن الأمن القومي العربي واحد، مصريا كان أو سعوديا أو عراقيا أو مغاربيا أو غير ذلك (من المحيط إلى الخليج) فالسؤال الذي أخشى أن يكون قد غاب عن الجميع هو: أي وضع «قانوني» للجزيرتين، هو الأفضل لاعتبارات هذا الأمن القومي؟ مع ملاحظة أنني أتحدث هنا عن الأمن القومي «العربي» لا المصري فقط !!
مصرية أم سعودية .. ما هو الأفضل للأمن القومي «العربي»؟
 الخبر الصادم (أو المفارقة، إن شئت) أنه في الذكرى الخمسين لهزيمة الخامس من يونيو التي دفع فيها ما يزيد على أحد عشر ألفا من المصريين أرواحهم دفاعا عن «الأرض»، والتي تصادف أن تواكبت هذا العام مع ذكرى العاشر من رمضان الذي دفع فيه آلاف من المصريين الآخرين أرواحهم على طريق استرداد «الأرض» !!
 لم يتردد صاحب القرار أن يدفع بالبرلمان المصري إلى مناقشة اتفاقية «تيران وصنافير» على الرغم من حكم بات ونهائي يجعلها كالعدم، وعلى الرغم من نص دستوري صريح يحرم التنازل عن «الأرض» تحت أي ظرف من الظروف. وعلى الرغم مما يعنيه ذلك كله سياسيا من إهدار المجلس النيابي لحكم قضائي بات !!
 بداية أعود لأكرر ما أوضحته مائة مرة فيما كتبت حول الموضوع، من التأكيد على أنني هنا لا أناقش الحجج القانونية لهذا الرأي أو ذاك (المحكمة حسمت المسألة في حيثيات من ٥٨ صفحة). إذ يبقى من المهم لكل «عربي»؛ مصريا كان أو سعوديا؛ لا فارق، الإجابة عن السؤال الذي وضعته على رأس هذا المقال: أي وضع «قانوني» للجزيرتين، سيكون الأفضل لاعتبارات الأمن القومي العربي (لا المصري فقط)؟ ومن ثم، فمن يا تُرى في مصلحته أن يهدر اعتبارات الأمن القومي «العربي» هكذا؟ ولصالح من(؟!)
 على الأشقاء، هنا وهناك أن يدركوا أن القضية ليست «مصرية / سعودية»، بل «عربية / إسرائيلية» !!!
و إليكم المعلومات التالية :
يفصل خليج العقبة (طوله ٩٦٦ ميلا) ما بين الساحل الشرقي لشبه جزيرة سيناء «المصرية»، والساحل الغربي لجزء من شمال المملكة العربية السعودية. وعند المدخل (الضيق) للمضيق تقع الجزيرتان «تيران وصنافير». وتبعد جزيرة تيران عن الساحل المصري ثلاثة أميال، وعن الساحل السعودي أربعة أميال ونصف !!
وتصنع الجزيرتان طبيعيا ثلاث ممرات من وإلى الخليج،
الأول منها بين ساحل سيناء وجزيرة تيران، وهو الوحيد الصالح للملاحة (عمقه ٢٩٠٠ مترا) واسمه ملاحيا ممر «إنتربرايز».
والثاني أيضا بين ساحل سيناء وجزيرة تيران، واسمه «جرافتون»، وعمقه لا يتجاوز (٧٣ مترا)،
في حين يقع الثالث بين الجزيرتين «تيران وصنافير». وعمقه ١٦ مترا فقط .
 وتكمن أهمية الجزيرتين (غير المأهولتين) في موقعهما الاستراتيجي على «بوابة» خليج العقبة. وهو ما يجعل من المتحكم في مضيق تيران المتحكم واقعيا في حركة الدخول والخروج إلى الخليج الذي يمثل المنفذ الوحيد إلى منطقة أم الرشراش التي احتلتها القوات الإسرائيلية في مارس ١٩٤٩ لتصبح ميناء إسرائيليا (إيلات).
 والحاصل أن الموقع الاستراتيجي للمضيق، جعل منه على الدوام رقما مهما في معادلات الأمن القومي لمصر، وصل إلى درجة أنه كان سببا مباشرا في اندلاع حرب ١٩٦٧.
في يوميات المضيق ذات الصلة بالأمن القومي (وهي كثيرة) منشور يحمل رقم ٣٩ لعام  ١٩٥٠ أصدرته مصلحة الموانئ والمنائر المصرية في ٢١ ديسمبر ١٩٥٠ (بعد حرب ١٩٤٨، وبناء على طلب وزارة الحربية)، وجرى توزيعه على جميع البعثات الأجنبية. ينص في بنده الأول على توجيه طلقات تحذيرية لأي سفينة حربية إسرائيلية أو تابعة لإسرائيل تحاول أن تمر في المياه الإقليمية بما في ذلك مضيق تيران !!
 كما ينص في بنده الثالث على ممارسة السلطات المصرية «الحربية» لحقها في التأكد من هوية ووجهة وطبيعة البضائع المحملة على السفن الأجنبية «المحايدة» العابرة للمضيق. «بحيث لا يعوق استخدام هذا الحق حرية المرور (البريء)، كما تقضي القواعد المستقرة في الأوضاع المماثلة».
 ممارسة لهذا الحق، نقرأ في يوميات المضيق أن السلطات المصرية أوقفت السفينة الأمريكية Albion في نوفمبر ١٩٥٣، ولم تسمح لها بالمرور إلا بعد التأكد من أنها تحمل شحنات من القمح إلى ميناء العقبة الأردني. في حين لم تسمح للسفينة الإيطالية Maria Antonia بالعبور بعدما اتضح أنها تحمل مواد ذات طبيعة استراتيجية في طريقها إلى ميناء إيلات الإسرائيلي.
 وتحكي يوميات المضيق أيضا كيف تذمرت حكومة «بريطانيا العظمى» يومها من هذه الإجراءات. الأمر الذي كان محلا لجدل كبير انتهى باعتراف البريطانيين بشرعية الإجراءات المصرية بشأن ممارسة سيادتها على مضيق تيران. (يرجى العودة إلى مذكرة السفير البريطاني فى القاهرة المرسلة إلى وزير الخارجية المصري فى ٢٩ يوليو ١٩٥١ في أعقاب أزمة السفينة الإنجليزية Empire Roach التي احتجزتها السلطات المصرية بعد أن رفض ربانها الامتثال للأوامر).
 في يوميات المضيق أيضا، أو في دلالتها ما كان من حرص مصر على ألا تنتقص اتفاقية الهدنة (بعد حرب ١٩٥٦) من السيادة المصرية على المضيق، باعتباره ضمن الإقليم المصري (بحكم سيادتها على الجزيرتين) بل والحرص المصري لاحقا على ألا تمس بنود معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (١٩٧٩) والتي تنص مادتها الخامسة على «حرية الملاحة والعبور الجوي» بالوضع القانوني للمضيق ومياهه، وهو ما حرصت الدبلوماسية المصرية على تأكيده عند التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في يوليو ١٩٨٣.
والمعروف لذوي الاختصاص أن قانون البحار الدولي هذا الذي تضمنته اتفاقية ١٩٨٢٢ يعطي للدول الشاطئية سلطة على بحرها الإقليمي تتمثل في أمور عدة بينها ما يلي:
ــ حق اتخاذ الإجراءات الضرورية لمنع المرور غير البريء.
 ــ حق الإيقاف المؤقت للمرور «البريء» من مساحات معينة من البحر الإقليمي، «إذا كان هذا الإيقاف لازما لحماية أمن الدولة الساحلية».
ــ حق طلب مغادرة السفن الحربية للبحر الإقليمي في حالة عدم امتثالها لنظم الدولة الساحلية.
 وهو الأمر الذي يعرف الدبلوماسيون والعسكريون المصريون أن مصر مارسته مرارا وتكرارا (بحكم سيادتها على جزيرتي تيران وصنافير) دفاعا عن مصالحها الاقتصادية والأمنية.
 السيطرة على الممرات البحرية هي من أهم العوامل التي تعزز الأمن القومي. فلماذا نفرط هكذا في في أمننا القومي؟
 خلاصة القول إذن يمكننا أن نقرأها واضحة في حقائق الجغرافيا، والتاريخ، والقانون الدولي، فضلا عن الأمن القومي:
١١ـ في حقائق الجغرافيا: أن مضيق تيران (الذي يفصل بين جزيرة تيران وساحل سيناء) هو المنفذ الوحيد لخليج العقبة بوصفه الممر الوحيد الصالح للملاح.
٢٢ـ وفي حقائق القانون الدولي: أن الجزيرة إذا ظلت على حالها «مصرية»، فإن هذا الممر يظل مياها داخلية مصرية. ويظل لمصر «العربية» جميع حقوق السيادة على الممر. وعلى الرغم من أن اتفاقية السلام مع إسرائيل وبقواعد القانون الدولي تفرض حرية المرور «البريء» بالمضيق. (أكرر: «البريء»)، فإن هذا المبدأ يجري تعطيله زمن الحرب، ليصبح لمصر «العربية» الحق المطلق في فرض ما تريد من قواعد للمرور (أو منع المرور) في المضيق .
 أما في حال أصبحت الجزيرتان سعوديتين (بغض النظر عن الأسباب) فإن الممر يصبح تلقائيا ممرا «دوليا» بالتعريف، لا تملك مصر (ولا السعودية) قانونا أي سلطة عليه، لا في زمن السلم، ولا في زمن الحرب !!!!!
٣٣ـ وفي حقائق التاريخ: أن ذلك جرى فعلا غير مرة، وأوقفت مصر سفنا غربية كانت تحمل أسلحة ومواد استراتيجية إلى إسرائيل في الخمسينيات من القرن الماضي.
٤٤ـ وفي حقائق الأمن القومي: أن السيطرة على الممرات البحرية التي تؤمن المسارات التجارية «والعسكرية» هي من أهم العوامل التي تعزز الأمن القومي لأى دولة. ولذلك مثلا نفهم لماذا لا تزال بريطانيا متمسكة بجزر جبل طارق أمام الساحل الإسباني. ولماذا خاضت أحدث حروبها في العصر الحديث (أبريل ١٩٨٢) لتسترد سيطرتها على جزر الفوكلاند المقابلة للأرجنتين على الرغم من أنها تبعد عن الأراضي البريطانية آلاف الأميال.
 على هامش المسألة برمتها، لا أعرف إن كان هناك من انتبه (أو يعنيه أن ينتبه) إلى أن الإقرار بعدم تبعية الجزيرتين لمصر، يفقد قرار عبدالناصر بإغلاق خليج العقبة (مضيق تيران)، بوصفه «مياها مصرية» أمام الملاحة الإسرائيلية (٢٢ مايو ١٩٦٧) مشروعيته، ويجعل من حق الإسرائيليين مقاضاة مصر ومطالبتها بالتعويض.
وبعد..
 فإلى أي مدى يتصل القرار بشأن الجزيرتين بترتيبات إقليمية جديدة، هناك من يريد أن يفتح الطريق لها، محققا مكسبا استراتيجيا لم ينجح في الحصول عليه بالحرب على مدى عقود من الصراع؟
 أو بالأحرى، إلى أي مدى تتصل مسألة الجزيرتين «بصفقة القرن» التي وعد بها ترامب، وأشار إليها الرئيس في حضرته، وتحدث عنها الإسرائيليون بوضوح أكثر من مرة؟ ليس بوسعي أن أقطع بالإجابة، التي ربما يجادلنى فيها (على الرغم من وضوحها كالشمس) هذا أو ذاك من الذين يكتفون بالنظر تحت أقدامهم. ولكني كأي «عربي» حريص على الأمن القومي «العربي» وليس المصري فقط، ليس بوسعي، والشواهد دالة هكذا غير أن أستشعر القلق. وأدق على كل منضدة «عربية» بعلامات الاستفهام.
 يبقى أن ما ورد في السطور عاليه، كان موضوعا لأكثر من حوار دار بينى وبين عدد من المثقفين السعوديين (الأصدقاء)، والذين من حقهم عليّ أن أنوه هنا بأن اتفاقهم مع ما سبق لا يعبر إلا عن رقي فكري، وانتماء عربي «حقيقي» سما بهم فوق ترهات الاستقطاب وحمق نظرته الضيقة

الأحد، 11 يونيو 2017

لماذا لا نشعر بحلاوة الإيمان؟!

لماذا لا نشعر بحلاوة الإيمان؟!

هذا سؤال طالما كرره بعض القراء: لماذا نحس بأننا لا نعبد الله كما يجب؟ ولماذا لا نشعر بأن إيماننا يزداد؟ ولماذا لم نعد نحسّ بلذة العبادة ... هذه أسئلة نحاول الإجابة عنها....

 أسئلة كثيرة تصلني من خلال البريد الإلكتروني حول هذه الظاهرة: ظاهرة عدم الإحساس بالتقوى وحلاوة الإيمان والشعور بالبعد عن الله عز وجل. ومع أن كل مؤمن يتمنى أن يكون قريباً من ربه سبحانه وتعالى، ولكن يجد نفسه وسط مجتمع وكأن الأمواج تتقاذفه فلا يعرف كيف يتوجه، بل يحس نفسه وكأنه منقاد إلى المجهول.
والحقيقة أنني عندما فكرت بهذه المشكلة وبحثت عن جذورها وجدت أشياء أساسية هي سبب هذا الشعور. أهم شيء هو أننا بعيدون عن القرآن، والقرآن ببساطة هو الكتاب الذي يتحدث عن الله، فنحن لن ندرك الله بأبصارنا ولا عقولنا ولا بأي وسيلة، لأنه سبحانه ليس كمثله شيء. ولكن من رحمة الله بنا أنه جعل كتابه بيننا، فإذا أردنا أن نكون قريبين من الله فعلينا أن نقترب أكثر من كتابه.
ولكن كيف نقترب من القرآن؟ العلاج بسيط: أن نفهم القرآن، وهنا نجد صدى للنداء الإلهي الرائع للبشر جميعاً: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) [النساء: 82]. ولو رجعنا لسيرة الأنبياء عليهم السلام وجدنا أنهم يطلبون  من ربهم أن يريهم آياته ومعجزاته ليزدادوا يقيناً وإيماناً.
فهذا هو سيدنا إبراهيم يخاطب ربه بقوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) [البقرة: 260]، إذن يطلب المزيد من الاطمئنان والإيمان. وفي مناسبة أخرى نجد أن الله يوحي لإبراهيم أن يتأمل في السماء والأرض، لماذا؟ ليزداد يقيناً بالله تعالى، يقول تبارك وتعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) [الأنعام: 755].
ولذلك يا أحبتي: هل تشعرون بالحاجة لتأمل خلق الله؟ هل تحسّون دائماً بأنه يجب عليكم أن تحفظوا كتاب الله وتتدبّروا آياته؟ وهل تعتقدون في داخلكم أن القرآن هو أهم شيء في حياتكم؟
ظن بأن الإجابة لا! لأن الإجابة لو كانت بنعم فليس هناك مشكلة، المشكلة أن ظروف الحياة وهموم المجتمع والمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية قد شغلت بالكم وأخذت حيزاً كبيراً من تفكيركم، ولم يعد هناك خلية واحدة في دماغكم تتسع لعلوم القرآن أو علوم الكون.
لذلك إخوتي وأخواتي! أقول لكم ينبغي قبل كل شيء أن تغيروا نظرتكم إلى هذا القرآن، ينبغي أن تعيشوا في كل لحظة مع القرآن، فأنا درَّبتُ نفسي على ذلك حتى أصبحت أحس بسعادة لا توصف. تخيلوا أن إنساناً عندما يرى أحلاماً تكون حول القرآن، وعندما يستيقظ من نومه يفكر في كلام الله، وعندما يجلس في أي مكان يرى من حوله أشياء تذكره بالله تعالى، هل تتصورون أن مثل هذا الإنسان يمكن أن تصيبه الهموم أو المشاكل، والله تعالى ينادي ويقول: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69].

 
اعلم أيها الأخ الحبيب، وأيتها الأخت الفاضلة، أن مجرد الاستماع إلى القرآن هو جهاد في سبيل الله!! وأن مجرد التأمل في خلق الله هو جهاد أيضاً، وأن تدبر القرآن هو جهاد، واعلم أن أكبر أنواع الجهاد على الإطلاق الجهاد بالقرآن، كيف؟ أن تتعلم آية من القرآن مع تفسيرها وإعجازها ثم توصلها إلى من يحتاجها من المؤمنين أو غيرهم! هذا هو الجهاد الذي أمر الله نبيه بتطبيقه في بداية دعوته إلى الله فقال له: (وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا) [الفرقان: 52]، قال ابن عباس: أي بالقرآن.
وكيف يكون الجهاد بالقرآن؟ من خلال تعلم معجزاته وعجائبه وإيصالها للآخرين، حاول أن تتعلم كل يوم آية واحدة فقط مع تفسيرها العلمي، بما أننا نعيش في عصر العلم، ثم فكر بطريقة إيصالها لأكبر عدد ممكن من الناس، وانظر ماذا ستكون النتيجة!
إن الإحساس بأنك كنت سبباً في هداية إنسان هو أهم إحساس تمر به، فهو يعطيك نوعاً من القوة والثقة بالنفس، بل ويعطيك قدرة خفية على النجاح في الحياة، وهذا الكلام عن تجربة طويلة.
إن علماء النفس اليوم يعترفون بأن معظم الاضطرابات النفسية التي يعاني منها كثير من الناس إنما سببها "عدم الرضا" عدم الرضا عن الواقع، عدم الرضا عن المجتمع، عدم الرضا عن الزوجة أو الزوج أو الرزق أو الحالة الصحية .... ويؤكد العلماء "علماء البرمجة اللغوية العصبية" أن الأفراد الأكثر رضاً عن أنفسهم وواقعهم هم الأكثر نجاحاً في الحياة.
والعجيب أخي القارئ أن النبي الأعظم عليه الصلاة والسلام علمنا كيف نرضى ونقنع أنفسنا بالرضا كل يوم! فقد كان النبي يقول:
(رضيت بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً)
من قالها حين يمسي وحين يصبح كان حقاً على الله أن يرضيه يوم القيامة!! سبحان الله!
فإذا كان الله سيرضي قائل هذه الكلمات يوم القيامة وهو في أصعب المواقف، ألا يرضيه في الدنيا؟ وتأملوا معي كيف يركز النبي عليه الصلاة والسلام على فترة المساء والصباح (حين يمسي وحين يصبح)، لماذا؟
 لقد كشف علماء النفس أن العقل الباطن يكون في أقصى درجات الاتصال مع العقل الظاهر قبيل النوم وبعيد الاستيقاظ، ولذلك فإن هاتين الفترتين مهمتين جداً في إعادة برمجة الدماغ والعقل الباطن، وعندما نردد هذه العبارة: (رضيت بالله تعالى رباً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولاً)، إنما نعطي رسالة لدماغنا بضرورة الرضا عن النفس وعما قسمه الله لنا، فالرضا بالله يعني الرضا بكل ما قدره الله من رزق وقضاء وقدر وغير ذلك من أحداث تتم معنا في حياتنا اليومية.
والرضا عن الدين الذي اختاره الله لنا وهو الإسلام يعني الشيء الكثير، فهو يعني أننا سنكون من الفائزين يوم القيامة إن شاء الله، وأن مشاكل الدنيا مهما كانت كبيرة فإنها تصبح صغيرة بأعيننا إذا تذكرنا نعمة الإسلام علينا وإذا تذكرنا أن الإسلام لا يأمرنا إلا بما يحقق لنا السعادة، وهذا يعني أننا ينبغي أن نلتزم بتعاليم هذا الدين الحنيف.
إن الرضا عن كتاب الله تعالى يعني أن نقتنع بكل ما جاء فيه، وأن تصبح آيات القرآن جزءاً من حياتنا وأن نرضى به شفاء لنا، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 57]. ويعني أن نفرح برحمة الله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) [يونس: 588].
والرضا عن النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم يعني أن نرضى به نبياً ورسولاً ورحمة وشفاء لنا، ويعني كذلك أن نطبق كل ما أمرنا به عن قناعة ومحبة وأن ننتهي عن كل ما نهانا عنه.
بالنتيجة أحبتي إذا أردتم أن تشعروا بالسعادة في كل لحظة من حياتكم، فما عليكم إلا أن تتوجهوا إلى الله بإخلاص، أن تتوكلوا على الله في كل أعمالكم، أن تسلموا الأمر كله لله، وأن تضعوا همومكم ومشاكلكم بين يدي الله تعالى فهو القادر على حلها... أن تحسوا بأن الله قريب منكم بل أقرب من أنفسكم إليكم، أن تغيروا نظرتكم إلى الله تعالى وتقدّروا هذا الخالق العظيم حقّ التقدير، أن تستيقنوا بأن الله يرى كل حركة تقومون بها ويسمع كل همسة أو كلمة تتحدثون بها ويعلم كل فكرة تدور في رأسكم...
هذا هو بنظري الطريق نحو الرضا عن النفس والرضا عن الله والسعادة الحقيقية، وسوف تصبح كل عبادة تقومون بها هي مصدر للسعادة، وسوف تصبح كل آية تقرؤونها مصدراً لحلاوة الإيمان، اللهم  اجعل القرآن ربيع قلوبنا وجلاء أحزاننا ونور صدورنا وذهاب همومنا ومشاكلنا.
ــــــــــــ
بقلم عبد الدائم الكحيل

مقارنة مسكونة بالتدليس

فهمي هويدي

مقارنة مسكونة بالتدليس

نشر فى : السبت 10 يونيو 2017 - 9:05 م | آخر تحديث : السبت 10 يونيو 2017 - 9:05 م
يحتاج إلى تفسير إبراز بعض صحف الخميس المصرية (٨/٦) لتصريح رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماى الذى أعربت فيه عن استعدادها للإطاحة بقوانين حقوق الإنسان إذا حالت دون تطبيق تشريعات مكافحة الإرهاب، وكانت السيدة ماى قد أشارت إلى تلك النقطة فى سياق إحدى خطبها الانتخابية التى سبقت التصويت الذى تم يوم الخميس، وفى أجواء القلق الذى استشعره كثيرون فى بريطانيا جراء العمليات الإرهابية التى شهدتها البلاد فى الآونة الأخيرة.
ولأنها ليست المرة الأولى التى تحتفى فيها وسائل الإعلام المصرية بأى تصريحات تصدر فى الديمقراطيات الغربية بخصوص إعلان الطوارئ أو «التساهل» فى تطبيق قوانين حقوق الإنسان، بما يمرر بعض الانتهاكات، فإن الأمر بات يحتاج إلى وقفة وبعض المصارحة. من ناحية، لأن تلك الحفاوة الإعلامية التى تكررت ليست مصادفة، ثم إننى أشك كثيرا فى براءتها، فى هذا الصدد فإننى أميل إلى أن ذلك الاهتمام والإبراز أريد به توصيل رسالة للمواطن المصرى تقول: انظروا ــ ها هى الديمقراطيات الغربية لا تتردد فى الإطاحة بمبادئ وقوانين حقوق الإنسان حينما يتهددها الإرهاب وتتعرض لظروف طارئة، بالتالى فإن ما يحدث فى مصر ليس أمرا شاذا ولا هو استثناء فى العالم المعاصر. فكفوا إذن عن انتقاداتكم وأريحونا بسكوتكم، لأن ما تأخذونه علينا تفعله أهم الدول الديمقراطية.
من ناحية ثانية لأن استخدام تلك الحجة مسكون بالتدليس والتغليط. أولا لأن الذين ينددون ويعارضون الانتهاكات التى تحدث لحقوق الإنسان ليسوا ضد مكافحة الإرهاب، وإنما هم يؤيدون المكافحة شريطة أن تلتزم بضوابط القانون وباحترام حقوق الناس وكراماتهم، وهم يدركون بأن الانتهاكات التى تحدث لا تكافح الإرهاب ولكنها توفر مناخا وبيئة تفرخ المزيد من الإرهابيين. ولست أنسى فى هذا الصدد ما سمعته من أحد كبار المحامين الذين يشاركون فى الدفاع عن المتهمين فى قضايا الإرهاب حين قال لى إن بعض الشبان المتهمين صارحوه بأنهم ينتظرون بفارغ الصبر موعد إطلاقهم، لا لكى يعودوا إلى بيوتهم، ولكن لكى ينتقموا من الذين عذبوهم فى السجن.
وإذا لاحظت أن كلام رئيسة الوزراء البريطانية صدر أثناء خطبة انتخابية فستنتبه إلى أن الأمر لا يخلو من اصطياد، لأنها قالت أنها مستعدة لتمزيق قوانين حقوق الإنسان إذا حالت دون تطبيق تشريعات مكافحة الإرهاب، الأمر الذى يعنى مباشرة أن تلك القوانين ستظل سارية مادامت لا تتعارض مع تلك التشريعات، وغنى عن البيان أن ذلك «التمزيق» حاصل عندنا فى كل الأحوال، وليس له ضابط أو كابح.
النقطة الأهم فى الموضوع أن الحكومة حين تتخذ إجراءات فى مواجهة الإرهاب وبوجه أخص إذا كانت تمس حقوق الإنسان من قريب أو بعيد، فإنها ليست مطلقة اليد ولا هى فوق المساءلة والحساب، لأن فى البلد مؤسسات قوية مستقلة تشهر سيف القانون. ثم إن الإجراءات الاستثنائية لها أجل محدود، وتمارس تحت رقابة البرلمان والمجتمع. لذلك فإن الناس لا يقلقهم إعلان الطوارئ ولا تزعجهم تشريعاتضيها، ناهيك عن أن الإرهاب هناك له تعريف منضبط ينحصر فى ممارسة العنف لفرض الرأى وتقويض أسس المجتمع ولا تسأل عن تعريفه عندنا.
إن المعادلة تكون ناقصة إذا وقفنا عند مقارنة قانون بقانون، وهى لا تكتمل إذا شملت المقارنة وضع المجتمع هناك بمؤسساته وقيمه القانونية وقواه ال مكافحة الإرهاب، لأنهم واثقون من أن ذلك يستهدف حماية المجتمع وليس حماية السلطة التى باتت تتذرع بالإرهاب لكى تشدد قبضتها وتقيد الحريات العامة وتقمع معارمدنية بنظيره فى بلادنا. وإذا ما أجرينا هذه المقارنة بأمانة وصدق فسوف نلتزم الصمت وقد نغرق فى بحر الخجل.
فهمي هويدي
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.

السبت، 10 يونيو 2017

أزهى عصور الكراهية

فهمي هويدي

أزهى عصور الكراهية

فهمي هويدي
نشر فى : الجمعة 9 يونيو 2017 - 9:45 م | آخر تحديث : الجمعة 9 يونيو 2017 - 9:45 م
حين ينشر على الملأ أن التعاطف مع قطر بالقول أو الكتابة يعرض صاحبه للسجن ٥ سنوات فى بلد «شقيق»، كما أن العقوبة تصل إلى ١٥ سنة فى بلد «شقيق» آخر، ذلك غير غرامة تصل إلى نحو ١٠ آلاف دولار. فمعنى ذلك ان المشاعر باتت تخضع للمحاكمة، وأن الكراهية وحدها صار مسموحا بها ومطلوبة. هذا الكلام ليس افتراضا من وحى الخيال، لأنه صار بمثابة أخبار جرى تعميمها عبر القنوات والمنابر الإعلامية الرسمية، ونسبت إلى مسئولين يعبرون عن وجهة نظر السلطة.
المناسبة معروفة. ذلك أن الصراع الحاصل بين بعض الدول الخليجية وقطر بلغ درجة غير مسبوقة من الحدة والشراسة، وصلت لحد حصار قطر من البر والبحر والجو. وإلى حظر التعامل الإنسانى واعتبار التعاطف معها بأى شكل جريمة تعرِّض صاحبها للسجن مع الغرامة الباهظة.
لا أعرف صدى ذلك الإعلان فى أوساط الناس العاديين، لكنى قرأت أن مواطنا سعوديا آثر السلامة وسارع إلى تغيير اسم ابنه من تميم إلى سلمان (العاهل السعودى). وهو معذور فى ذلك لا ريب، ذلك لأن تسمية طفل على اسم أمير قطر دليل دامغ يدينه فى ارتكاب جريمة التعاطف التى تضيع صاحبها وتخرب بيته. وكنت قد وقعت فى أعقاب اعلان قرار قطع العلاقات على تعليق لأحد الظرفاء تساءل فيه عن انعكاس الأزمة على أسرة المطربة الإماراتية أحلام المتزوجة من قطرى، وكيف ستنفذ قرار المقاطعة. لكن ما بدا تندرًا تبين أنه مشكلة حقيقية واجهت أسرًا عديدة طلب من الزوجات أو الأزواج القطريين فيها مغادرة البلاد «الشقيقة» المنخرطة فى المقاطعة على الفور. وهو ما سبق أن حدث فى العراق الذى كان الزواج فيه بين السنة والشيعة أمرا عاديا إلى أن هبت رياح الكراهية على البلد، فقطعت الأواصر وعصفت المرارات بتلك العائلات المختلطة.
إلى عهد قريب كانت للمجتمعات الخليجية خصوصيتها، التى تمثلت فى تداخل القبائل والعشائر واستمرار التجانس بين مكوناتها، واختفاء الصراعات والخصومات فى محيطها. وهى عوامل ساعدت على احتواء وتسكين الخلافات بما حفظ للبيت الخليجى تسامحه وتماسكه، إلا أن عوامل عدة عصفت بكل ذلك فيما يبدو. وهو ما يحتاج إلى دراسة وتحليل يرصد تأثير العوامل الداخلية، ومنها الوفرة المالية التى عززت الشعور بالقوة وأيقظت طموحات التمدد وتطلعات الزعامة التى تجاوزت الحدود. ساعد على ذلك وشجعه الفراغ المخيم على الساحة العربية، جراء تدمير بعض دولها الكبرى أو الأزمات الاقتصادية التى عانت منها دول أخرى جار عليها الزمن، فتحولت من موقع المسئول إلى موضع السائل.
إذا وسعنا زاوية النظر فسنجد أن تدهور العلاقات البينية فى الخليج بمثابة امتداد للحاصل فى العالم العربى الذى ما عاد الخلاف يحتمل فى أهم دوله. إذ نتيجة الغياب الطويل للممارسة الديمقراطية التى تترعرع فى ظلها ثقافة التعايش، فإن الاختلاف لم يعد من علامات التنوع والثراء لكنه صار مصدرا للشقاق والكراهية. إذ ضاقت الصدور بحيث أصبح الآخر مرفوضا، وصار الشعار المرفوع هو «إما نحن أو هم»، الأمر الذى روج لثقافة إبادة الآخر أو إخضاعه فى أحسن الفروض. وغدا ذلك ميسورا فى الأجواء الراهنة التى تكفل فيها مصطلح الإرهاب بحل المشكلة. إذ جرى التوسع التدريجى فى تعريفه بحيث أصبح الإرهابى هو «كل من خالفنا»، الأمر الذى يفتح الطريق أمام تقدم كتائب الإبادة السياسية والثقافية، والتصفية الجسدية فى حالات أخرى. وتلك مهمة تكفلت بها وسائل الإعلام التى لم تقصر فى القيام باللازم من خلال الشيطنة التى تجيدها.
يحفظ تراثنا الأدبى لشاعر أندلسى قوله لمحبوبته: إن قلت ما أذنبت قلت مجيبة ــ وجودك ذنب لا يقاس له ذنب. إذ إنها تأبَّت عليه ونفرت منه، فلم ترد أن تناقشه فيما إذا كان قد أخطأ أو أصاب، لأنها اعتبرت أن المشكلة تكمن فى وجوده على وجه الأرض ــ هل أصبح الأمر كذلك بالنسبة لقطر التى صار وجودها بما تمثله فى الخليج ذنبا غير مغفور؟
فهمي هويدي
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.

الأربعاء، 7 يونيو 2017

إطفاء الحريق أولا

فهمي هويدي

إطفاء الحريق أولا

نشر فى : الثلاثاء 6 يونيو 2017 - 9:40 م | آخر تحديث : الثلاثاء 6 يونيو 2017 - 9:40 م
أكثر ما استوقفنى فى عناوين الصحف المصرية التى صدرت أمس (السادس من يونيو يوم النكسة الكبرى) عنوانان أحدهما «قطر تحت الحصار»، وقد نشر بحروف كبيرة وباللون الأحمر تعبيرا عن الحفاوة والبهجة التى بدت فى بقية العناوين ذات الصلة التى غطت كامل الصفحة الأولى للأهرام. العنوان الثانى نشرته صحيفة «المصرى اليوم» على صفحة داخلية وكان كالتالى «نتنياهو أمام قمة دول غرب إفريقيا: حققت حلمى بالمشاركة» ــ وتحت العنوان صورة لرئيس الوزراء الإسرائيلى الذى وقف مبتسما ومنشرحا وسط رؤساء دول غرب إفريقيا الذين عقدوا اجتماعهم فى ليبيريا.
جيلى أو بعضه على الأقل تشكل وعيه بحيث توقع أو تمنى أن تكون إسرائيل هى التى تحت الحصار فى حين أن الرئيس المصرى الذى يمثل أكبر وأهم دولة عربية هو الذى يقف وسط القادة الأفارقة. لذلك لك أن تتصور الصدمة التى أصابتنى حين وقعت على الوضع مقلوبا. ولعلك تعذرنى إذا لم أصدق لأول وهلة ما وقعت عليه عيناى، واضطررت إلى قراءة الكلام المنشور أكثر من مرة متمنيا أن أجد خطأ ما فى مضمون العناوين. وحين تأكدت من أن العناوين لم تخطئ خطرت لى على الفور العبارات التى استخدمها ابن الأثير فى كتابه «الكامل فى التاريخ»، الذى استعظم ما فعله المغول فى بغداد (القرن الثالث عشر الميلادى) فوصفه بالحادثة العظمى والمصيبة الكبرى التى عقمت الأيام والليالى عن مثلها، وصدم من هول ما جرى حتى قال: يا ليت أمى لم تلدنى ويا ليتنى مت من قبل هذا وكنت نسيا منسيا.
كنا نظن إلى عهد قريب أن منطقة الخليج هى الوحيدة المستقرة والمتماسكة فى المشرق العربى. وأن مجلس التعاون الخليجى نجح فى احتواء الخلافات والحيلولة دون انفراط عقد الدول الخليجية طوال العقود الثلاثة الماضية، إلا أننا اكتشفنا أن ذلك كان تقديرا مبالغا فيه، وانه فى لحظة الغضب المسكون بالطيش صار كل ذلك فى مهب الريح، وأن الانفعال تجاوز الحدود بحيث أصبح حصار قطر واقعا يحظى بتهليل وسائل الإعلام ومباركتها. وبدلا من أن تسارع المؤسسات القائمة إلى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو يتداعى العقلاء إلى حوار حول إجابة السؤال ما العمل. فإننا وجدنا أن قرع طبول الحرب وهتافات الغاضبين والمحاكمات السياسية والتراشق الإعلامى، ذلك كله طغى على ما عداه. فلا فهمنا شيئا مما جرى، ولا رأينا ضوءا يطمئننا فى النفق المظلم الذى دخلنا فيه.
يهدئ من روعنا ويخفف من الصدمة الجهد الذى بذلته القيادة الكويتية منذ انفجرت قنبلة الغضب وغاب صوت العقل. وإذا صح أن سلطنة عمان لها دورها الهادئ فى محاولات إطفاء الحريق، فإن ذلك الدور يستحق التقدير والحفاوة. وفى كل الأحوال لابد أن يذكر للسلطنة أنها نأت بنفسها عن الانخراط فى الصراع الحاصل عملا بالقول المأثور، إذا لم تكن عونا على الإصلاح فلا تكن شريكا فى الإفساد.
إن المشهد المقلوب الذى وجدنا فيه قطر تحت الحصار العربى فى حين أن إسرائيل يغازلها بعض العرب وتتمدد وتختال فى محيطنا الإفريقى هو تعبير عن الانقلاب الحاصل فى الخرائط السياسية العربية التى تشوهت وانقلبت فيها الموازين والمعايير، وهو ما أوصلنا إلى المشهد العبثى الذى أصبحنا نعانى منه، نكاد لا نصدق أحداثه وعناوينه.
ليس لدى ما أقول فيما ينبغى عمله للخروج من المأزق، لكننى أزعم بأننا يجب أن ننفق على ما لا ينبغى فعله. كما أننى لست فى موقف يسمح لى بتحديد المخطئ والمصيب، لكن ما أفهمه أنه عندما يشب أى حريق، فإن إطفاءه يصبح المهمة الأولى، وذلك واجب الوقت الذى ينبغى أن ينشغل به العقلاء على ندرتهم فى زماننا. صلوا من أجل أن تنجح الوساطة الكويتية فى تحقيق مهمة الإطفاء.
فهمي هويدي
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.

الأحد، 4 يونيو 2017

مراجعات البيت الأبيض

فهمي هويدي

مراجعات البيت الأبيض

نشر فى : السبت 3 يونيو 2017 - 9:35 م | آخر تحديث : السبت 3 يونيو 2017 - 9:35 م
أخطأنا فى استقبال قرار الرئيس دونالد ترامب تأجيل نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس. إذ ليس صحيحا أن ذلك دليل على نجاح الدبلوماسية العربية ولا هو دليل على جدية الرئيس الأمريكى فى سعيه نحو السلام، فلا الدبلوماسية العربية تتمتع بقوة ضغط تمكنها من التأثير على القرار الأمريكى، ولا الرئيس ترامب راغب فى تحقيق السلام الذى يتمناه العرب، خصوصا أن الرجل حرص أثناء زيارته الأخيرة للمنطقة على أن يبدو مؤيدا لكل ما يتطلع إليه الإسرائيليون.
الخطأ الذى أدعيه نابع من أننا لم نستوعب بعد حقيقة الصراع الحاصل فى الإدارة الأمريكية بين طرفين أحدهما يعبر عن المؤسسة المستقرة الممثل فى جهاز الدولة بتقاليده الراسخة، وبين الأيديولوجيين الشعوبيين الذين جاء بهم الرئيس الأمريكى إلى البيت الأبيض (بعضهم من العسكريين السابقين الذين لا تتوافر لهم الخبرة السياسية). بطبيعة الحال فإنهما لا يختلفان حول التزامهما بالمصالح العليا للولايات المتحدة، لكنهما يختلفان حول قراءة تلك المصالح وكيفية تحقيقها، فالانحياز لإسرائيل مثلا يعد جزءا من ثوابت السياسة الأمريكية، لكن رجال المؤسسة رأوا أن نقل السفارة الأمريكية فى الوقت الراهن لا يخدم الاستقرار فى المنطقة وينذر بتفجير الوضع الفلسطينى بما قد يضيف إلى أجوائها المضطربة مصدرا آخر للتوتر والتصعيد، فضلا عن أنه يزيد من موجة العداء للولايات المتحدة التى تقدم لإسرائيل الدعم بصورة أخرى. أما ترامب الذى كرر التزامه بنقل السفارة أثناء حملته الانتخابية، وأيده فى ذلك أركان حملته، فقد كان مدفوعا بعواطفه الخاصة تجاه إسرائيل، ومتأثرا بموقف الغلاة المحيطين به، إلى جانب أن عينه كانت على أصوات اليهود الأمريكيين.
نبهنى إلى ذلك أحد الخبراء الأمريكيين، كنت قد التقيته فى مؤتمر شهدته أخيرا. وفهمت منه أن الخارجية الأمريكية تستشيره ضمن آخرين من ذوى الصلة فى بعض الأمور المتعلقة بالمنطقة. وأثار انتباهى فى حديثه قوله إن بعض رجال المؤسسة لم يحتملوا وصول الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض فنأوا بأنفسهم عنه، ومنهم من استقال من وظيفته. إلا أن آخرين قرروا أن يصمدوا وأن يحاولوا كبح جماح الرئيس وفريقه من خلال محاولة تطويقه وترشيد قراراته. وكانت المؤسسة الأمنية فى المقدمة من هؤلاء، بما يعنى أن «الدولة العميقة» وقفت فى ذلك الجانب. واصطف إلى جانبها القضاء والإعلام. وقد تكفل القضاء بتحدى الرئيس ووقف بعض قراراته علنا مثلما حدث فى قرار منع دخول رعايا الدول الإسلامية الست للولايات المتحدة. أما الإعلام، فى أغلب منابره، فقد تكفل بتعرية سياساته وفضحها، وساعدته على ذلك التقارير والمعلومات التى سربتها الدولة العميقة.
استوقفنى فيما ذكره محدثى قوله إن الدولة العميقة عارضت فكرة اعتبار الإخوان جماعة إرهابية. وهى الفكرة التى دعت إليها مصر وبعض الدول الخليجية، وتحمس لها وتبناها بعض الجمهوريين فى الكونجرس، والحجة التى أثيرت فى هذا الصدد اعتمدت على أمرين. الأول أن شروط التصنيف الأمريكية للإرهاب لا تنطبق على الإخوان. والثانى أن هذه الخطوة لا تخدم الاستقرار فى الشرق الأوسط، خصوصا إن جماعات الإسلام السياسى أصبحت جزءا من السلطة والعملية السياسية فى بعض دوله (تونس والمغرب والجزائر والأردن ولبنان).
أضاف صاحبنا أن أحد القادة العرب البارزين أثار الموضوع فى لقائه مع الرئيس ترامب فى واشنطن، لكن الرئيس الأمريكى لم يبلغه باستبعاد الفكرة فى الوقت الراهن، لكنه أبلغه بأن الموضوع لايزال تحت الدراسة من جانب الجهات المعنية.
إن الرئيس عندهم هو صاحب المنصب الأهم فى الدولة، لكنه ليس الشخص الأهم. لذلك فهو قابل للمراجعة والاحتواء. ولئن كان صاحب الصوت الأعلى، لكنه ليس صاحب الصوت الوحيد ولا هو فوق المساءلة ــ عجبى!

فهمي هويدي
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.

السبت، 3 يونيو 2017

فى ضرورة المراجعة


فى ضرورة المراجعة

نشر فى : السبت 27 مايو 2017 - 9:20 م | آخر تحديث : السبت 27 مايو 2017 - 9:20 م
بعد الفاجعة التى شهدتها محافظة المنيا ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل فى أن الصدمة مبررة والغضب حق والاستنكار فرض عين والمواساة واجبة، لكن ذلك كله لا يكفى، بل أزعم أنه فقد معناه وأثبتت التجربة أنه لم يكن مجديا ولا شافيا. من ثم تعين علينا أن نتدبر ما جرى من خلال محاولة الإجابة عن السؤال التالى: هل نحن بصدد مشكلة تقصير فى العلاج، أم قصور فى التشخيص؟
أدرى أن ثمة سؤالا ينبغى أن يطرح بخصوص مدى كفاءة الاحتياطات الأمنية التى مكنت الجناة من تحقيق مرادهم. ويقترن التساؤل بالدهشة حين نلاحظ أن بعض السفارات الأجنبية (الأمريكية مثلا) كانت قبل أيام معدودة قد حذرت رعاياها من احتمال وقوع حوادث إرهابية. وهو ما لم تكترث به الجهات المعنية، الأمر الذى أدى إلى خروج حافلتى الأقباط التى أقلت نحو مائة شخص فى رحلتهم التقليدية صبيحة الجمعة بغير حراسة إلى دير الأنبا صموئيل المقام فى جوف الصحراء على بعد ٢٥٠ كيلومترا، فتصيدهم المتربصون وجرى ما جرى. وسواء قصرت مطرانية الأقباط فى إبلاغ الأجهزة الأمنية بالرحلة، أو أن تلك الأجهزة لم تأخذ على محمل الجد رسالة استهداف الأقباط فى مصر التى أعلنتها داعش. بالتالى لم تر ضرورة لحماية الرحلات التى يقومون بها للأديرة، فالشاهد أن ثمة ثغرة أمنية استعملها الجناة لارتكاب جريمتهم.
ثمة أكثر من سؤال آخر يتعلق بمدى كفاية المعلومات عن أنشطة الإرهابيين ومخططاتهم. ذلك أن النقص الملحوظ فى ذلك الجانب، الذى تكرر أكثر من مرة، مكن الإرهابيين من مفاجأة السلطة والمجتمع بعملياتهم الصادمة التى خرجت من سيناء إلى بعض أنحاء الوطن.
خلال السنوات الثلاث الماضية ظل التعامل مع العمليات الإرهابية يتم من خلال التعبئة الإعلامية والسياسية والإجراءات القانونية والقضائية. فاعتبر الخلاف السياسى إرهابا وتم دمج المعارضين ضمن الإرهابيين وأدرج التظاهر السلمى ضمن القائمة، وترتب على ذلك أن السجون امتلأت بالنزلاء وتم التوسع فى الحبس الاحتياطى وفى الأحكام أمام القضاء المدنى والعسكرى. وأعلنت الطوارئ وعدلت القوانين حتى أصبحت أكثر تشددا، حتى الجمعيات الأهلية تعرضت للمصادرة والتنكيل، كما أطلقت أيدى الأجهزة الأمنية التى مارست ما لا حصر له من انتهاكات سجلتها التقارير الحقوقية. وفى الوقت ذاته رفع شعار تجديد الخطاب الدينى، الذى استخدمه البعض للهجوم على التراث وتحول إلى ميدان للتنافس على الانتقاد والتجريح من جانب البعض، وتخلله التزلف وممالأة السلطة من جانب البعض الآخر. فى الوقت ذاته لم تتوقف المؤتمرات المحلية والدولية التى واصلت هجاء الإرهاب والتنديد به. وقرأنا أخيرا عن تشكيل مجلس أعلى لمكافحة الإرهاب فى مصر، وعن مركز عالمى أقيم فى الرياض للمهمة ذاتها، وسبق هاتين الخطوتين تأسيس مرصد للفتاوى الشاذة والآراء المتطرفة تابع لدارالإفتاء المصرية، ومرصد مماثل تابع لمشيخة الأزهر... إلخ.
الخلاصة أننا فعلنا كل ذلك لكننا لم نحقق الهدف المنشود، إذ استمر الإرهاب ومدد نشاطه بحيث خرج من سيناء، ولمسنا له حضورا قويا فى المنيا خلال الأيام الأخيرة. وهو ما يسوغ لنا أن نقول بأننا تحركنا كثيرا لكننا لم نتقدم خطوة إلى الأمام. الأمر الذى يعيد علينا السؤال الذى طرحته قبل قليل بخصوص تحرى موضع الخلل، وهل هو فى العلاجات التى استخدمت أم فى تشخيص المرض ــ غدا نحاول الإجابة عن السؤال.

فهمي هويدي
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.