الاثنين، 24 يوليو 2017

رسوم المقيمين.. من المستفيد؟

تم نشرة في جريدة الرياض

د. حمد المانع

رسوم المقيمين.. من المستفيد؟

قد يبدو لبعضنا أن نظام الرسوم الذي يفترض أن يطبق على المقيمين والتابعين لهم، أحد الحلول الجيدة لتنمية موارد المملكة، وقد يبلغ بنا الحماس مبلغه إلى حد إنشاء الهاشتاجات من أجله، لكنْ لعل النظرة المتأنية تدعونا لإعادة التفكير في هذا النظام، ودراسته من جميع جوانبه، مع إلقاء نظرة بعيدة على المستقبل بعد تطبيق هذا النظام؛ ففي رأيي أن العوائد المنتظرة من وراء تطبيق هذا النظام، ستكون أقل بكثير من العوائد التي بين أيدينا بالفعل الآن، والتي ستنقلب إلى خسائر في حال تطبيق النظام؛ إذ إن الرسوم المقررة في النظام الذي طالعناه في الصحف تمثل هامشاً بسيطاً مما ينفقه المقيم وأسرته هنا في المملكة، بين الأسواق بجميع أنواعها، ووجهات الترفيه، والإيواء، والاتصالات، والطيران الدولي، والمطاعم، والتعليم في المدارس الأهلية، وغيرها كثير من وجوه الإنفاق التي تصب جميعها في خانة الإنفاق الداخلي، وبالتالي تنعش الأسواق والقطاع الاستثماري والبنوك؛ ما يوفر مزيداً من وظائف القطاع الخاص، ويخفف جزءاً كبيراً من عبء التوظيف عن كاهل الدولة، فليس من المفترض أن توفر الدولة الوظائف لجميع مواطنيها في مرافقها الحكومية، فلا توجد دولة أصلاً في العالم جميع وظائفها حكومية، ولما يمثله إنفاق الملايين من أسر المقيمين من رافد لا يستهان به للأسواق وجميع الأنشطة الاستثمارية، ولما سيدفع إليه هذا النظام من نزوح جماعي للسواد الأعظم من أسر المقيمين، في ظل تدني رواتب عائليهم، فإن هذا يعني أن المليارات التي يضخونها في السوق المحلية في صورة إنفاق، ستتحول مباشرة إلى خارج المملكة، حيث أسواق بلدانهم، إذ من الآن بدأ كثير من عائلي هذه الأسر إجراءات الخروج النهائي لأسرهم التي ستحول عليها رواتب عائليها المقيمين هنا في المملكة كل شهر أولاً بأول، مع ترك هامش قليل لهذا المقيم يعيش منه حتى آخر الشهر. فلا أعرف حقيقة أين مصلحتنا نحن في هذا؟ فلن نحصل على الرسوم المتوقعة لأن أفراد الأسرة جميعاً سيرحلون، ومن يمكنه البقاء من الأسر صاحبة الرواتب المرتفعة، لن تغطي الرسوم المفروضة عليهم شيئاً من المليارات التي ستذهب لإعاشة الأسر المغادرة في بلادهم.
ليس هذا وحسب، فالمخاطر من جراء هذا النظام تتجاوز الشق المادي إلى الشق الأمني، فمن لديه أسرة من المقيمين ما من شك في أنه يكون المسؤول الأول والأخير عنها هنا في المملكة، ما يجعله يفكر آلاف المرات قبل أن يسلك سلوكاً غير نظامي، أو يرتكب جرماً أخلاقياً أو جنائياً، حتى لا يعرض أسرته لفقد عائلها في السجون، ولو لليلة واحدة في مخالفة مرورية، ما يعني أن وجود أسر المقيمين معهم سيكون رادعاً لهم، ومصدر أمان لنا إلى حد كبير، وهذا ما نلمسه في سلوك جميع من لديه أسر منهم، بخلاف العزاب تماماً.
أيضاً لا أجدني في حاجة لعقد مقارنة بين أداء عامل، أو موظف رب أسرة مستقر أسرته معه، وآخر قلق منشغل البال على أهله يراهم من العام إلى العام، وربما أكثر. ولا أظننا في حاجة إلى موظف أو عامل منشغل مكتئب، تركيزه في أهله الذين تفصلهم عنه عشرات الآلاف من الأميال، وليس في أعمالنا.
الأمر نفسه ينطبق على الزيادة المقررة في تأشيرات الزيارة، والتي من شأنها أن تقضي على القسم الأكبر من سياحة الأسر التي تأتي لزيارة عائليها هنا في المملكة في الإجازات، وبالتالي حرمان اقتصادنا من إنفاقهم هنا في الداخل، بخلاف ما يحدث في جميع دول العالم التي تقدم التسهيلات لاستقطاب زائريها، بما في ذلك تخفيض قيمة التأشيرات لتشجيعهم على القدوم والإنفاق في الداخل. أتصور أن الأمر في حاجة إلى مراجعة.

الأحد، 23 يوليو 2017

عنتريات أمة نائمة

محمد سعد عبدالحفيظ

عنتريات أمة نائمة

نشر فى : السبت 22 يوليو 2017 - 8:45 م | آخر تحديث : السبت 22 يوليو 2017 - 8:45 م
فى محاولة يائسة لإيقاظ ما تبقى من كرامة الأمة الصامتة، دعا الشيخ عكرمة صبرى خطيب المسجد الأقصى العرب إلى الغضب من أجل المسجد المحاصر، متهما الأنظمة العربية بخذلان ثالث الحرمين.
الشيخ المرابط على أعتاب الأقصى قال بعد إفاقته فى مستشفى المقاصد إثر إصابته مع مئات المقدسيين برصاص جنود جيش الاحتلال الصهيونى فى منطقة باب الأسباط منتصف الأسبوع الماضى إن «المقدسيين لم يتفاجئوا بالموقف العربى الصامت تجاه المسجد الأقصى».
إزاء الموقف العربى الصامت الذى أشار إليه خطيب الأقصى أصرت حكومة بنيامين نتنياهو على موقفها ورفضت مقترحا عرض عليها الخميس بإزالة بوابات كشف المعادن الالكترونية من مداخل الأقصى قبل صلاة جمعة أمس، وأعطت تفويضا لقواتها باتخاذ ما يلزم لفرض القرار على المصليين، ما أدى إلى مواجهات استشهد فيها 3 شبان فلسطينيين وسقط مئات الجرحى والمصابين.
أحداث جمعة الغضب من أجل الأقصى دفعت عكرمة إلى التخلى عن خطابه المهذب مع الأشقاء العرب، فقال فى تصريح لاحق للهجوم على المصليين واقتحام قوات الاحتلال لمستشفى المقاصد إن: «إسرائيل لم تتعرض لضغط عربى حقيقى بسبب ضعف الدبلوماسية العربية، فالعرب منشغلون بالعنتريات بعضهم على بعض، وشراء أسلحة ليقتل بعضهم بعضا».
مع تصاعد أحداث الجمعة تصدر هاشتاج «نداء الأقصى» موقع التغريدات القصيرة «تويتر»، وانتقد المغردون الموقف العربى تجاه ما يحدث فى القدس، وقال أحدهم :«عذرا أقصانا فنحن أمة نائمة.. شعوب عاجزة.. وحكام ظالمة»، بينما قال آخر: «مسيرات بماليزيا أين مسيرات العرب؟»، وغرد لاعب منتخب مصر والنادى الأهلى السابق، محمد أبوتريكة: «شعب أعزل يواجه محتل غاشم وأمة تعدادها قرابة مليار مسلم تتفرج.. يا أهل فلسطين سامحونا وندعو الله أن يثبتكم فى وجه الاحتلال».
طفح الكيل بخطيب الأقصى ومن معه، فالعرب شعوب وقادة وضعوا القضية الفلسطينية فى «الدرج»، وتراجعت حالة التعاطف العام مع كل ما يمت لفسلطين بصلة، فقبل سنوات قليلة وعلى الرغم من التطبيع العلنى والسرى للأنظمة العربية مع دولة الاحتلال فإن الشارع كانت له حسابات أخرى، فلم يمر انتهاك إسرائيلى فى حق البشر أو المقدسات الدينية دون رد فعل شعبى واسع.
المسيرات المناصرة للقضية الفلسطينية والمنددة بالموقف الرسمى كانت تلهب ميادين ومساجد معظم الدول العربية، حرق العلم الإسرائيلى كان أحد الطقوس المنتظمة فى الجامعات، لم تمنع حالة الطوارئ التى استمرت لنحو 30 عاما فى مصر طلاب جامعة القاهرة من محاولة الوصول إلى السفارة الإسرائيلية.. ماذا حدث؟.. لماذا سقطت فلسطين من ذاكرة العرب؟
إذا كان لبعض الحكومات العربية تصوراتها لـدفن القضية وفق صفقات إقليمية ودولية وضع بنودها الراعى الأمريكى، فماذا عن الشعوب؟، هل أنهكت بفعل صدمات الإصلاح الاقتصادى؟، أم جرى تغييبها وتزييف وعيها والشوشرة على ثوابتها ببث جرعات الكراهية الإعلامية لكل ما هو فلسطينى؟، أم تم إلهاؤها بمعارك عبثية استبدلنا فيها عدونا التاريخى إسرائيل مرة بإيران وثانية بتركيا وثالثة بإمارة قطر؟، أم أنه الخوف الذى غرسته السلطة فكمم الأفواه للدرجة التى يخشى فيها المواطن من أن يئن بصوت مسموع فيجد نفسه متهما بالانتماء إلى جماعة إرهابية أسست على خلاف الدستور والقانون وحيازة سلاح نارى.. إلخ؟ أم كل ما سبق؟.
لن تتحرر القدس إلا بعد أن تسترد الشعوب العربية وعيها وتواجه خوفها وتنال حريتها ويصبح أمرها فى أيديها، فتختار حكامها وتراقبهم وتعزلهم وتستبدلهم بآخرين، وحتى يحدث ذلك فستظل آلة القتل الإسرائيلية تدهس أهلنا فى فلسطين وتنتهك مقدساتنا وتغتصب أرضنا.. فاصرخ يا شيخ عكرمة لن يسمعك أحد فنحن أمة نائمة إلى حين.


السبت، 22 يوليو 2017

الفقراء المتفوقون.. أين سيعملون؟


سعيد الشحات

الفقراء المتفوقون.. أين سيعملون؟

السبت، 22 يوليه 2017 07:00 ص
حين يذكر طالب فقير من أوائل الثانوية العامة أنه يتمنى الالتحاق بكلية الطب لكنه يخشى مصاريفها، فهذا يعنى أن خللا موجودا فى منظومة المجتمع، يقود إلى حتمية شعور هذا الطالب وأسرته بفقدان العدالة.
وفى الأسبوع الماضى احتفى الإعلام والبرلمان بالأولى على الثانوية الطالبة «مريم فتح الباب» ابنة البواب التى حصلت على مجموع %99.3، كما احتفلت محافظة أسيوط بابنها الطالب عبدالراضى علام حسن عوض ابن الفلاح الذى يعمل باليومية والحاصل على %99.76، لكنه لم يأتى فى ترتيب الأوائل لتأجيله مادة «الجولوجيا» من العام الماضى بسبب ظروف مرض والده.
احتفلنا بـ«مريم» و«عبدالراضى» لأنهما حققا تفوقهما وتغلبا على الفقر بكل قسوته التى دفعت على ابن ابى طالب رضى الله عنه إلى قوله عبارته الخالدة: «لو كان الفقر رجلا لقتلته»، وتحدثا عن أحوالهما ومعاناتهما بفخر، وتأكدت أصالة الاثنين وعظمتهما وهما يتحدثان عن والديهما بكل فخر ورقى، وفى حديثهما لم ينكرا أن حلمهما هو دراسة الطب وفى نفس الوقت يخافان من المصاريف، وتلك مسألة بقدر ما تبدو فى ظاهرها أنها شكوى فردية، إلا أنها وكما قلنا من قبل: «تعبر عن خلل فادح فى منظومة المجتمع».
هناك خلل أكبر يحتاج إلى مصارحة ومواجهة وهو منظومة الوظائف التى أصبحت حكرا على الأغنياء فقط، ولا يستطيع أبناء الفقراء أن يلتحقوا بها أو حتى مجرد التفكير فيها، وتلك مأساة كبرى أسست لها سنوات سابقة أذلت الفقراء ودللت الأغنياء، وسؤالى المباشر فى ذلك هو: هل هناك ضمان مثلا فى أنه لو ظلت «مريم» وظل «عبدالراضى» ومن فى مثل حالتهما على تفوقهما العلمى بكلية الطب يمكنهما الالتحاق بسلك التدريس الجامعى، أم يظل هذا الأمر حكرا على أبناء الأساتذة فى كليات الطب؟
ولو افترضنا مثلا أن آخرين من المتفوقين درسوا الاقتصاد والعلوم السياسية أملا فى الالتحاق بالسلك الدبلوماسى، فهل سيكون المصير «غير لائق اجتماعيا»؟
سؤالى له سابقة يتم استحضارها دائما كمثل صارخ على الظلم الذى يقع على الطبقات الفقيرة فى الالتحاق بوظائف معينة، ففى عام 2003 اجتاز الشاب «عبدالحميد شتا» كل الامتحانات للالتحاق بوظيفة ملحق تجارى فى الخارجية، وحاز على المركز الأول متفوقا على 43 شخصا، وبالرغم من اسمه ظهر فى كشوف الناجحين إلا أنه اصطدم بـ«غير لائق اجتماعيا»، كان «شتا» ابن فلاح محترم ومجتهد ويربى أولاده بالحلال، غير أن مهنة «فلاح» هناك من ينظر إليها بأنها «غير لائقة».
أقدم «عبدالحميد شتا» على الانتحار وكان الحدث صرخة فى وجه المجتمع وقتها، وتبارى الكل فى الحديث عن المأساة ليس كحالة فردية وفقط وإنما كمرض عام، ومر 14 عاما على تلك المأساة، فهل تغير شىء؟
السؤال ليس دعوة إلى الإحباط، لكنه دعوة للمكاشفة يجب ألا تلهينا الاحتفالات عنها، فإذا كان أولاد الفقراء يحققون التفوق الدراسى هكذا، ويمكنهم تحقيق مزيد من التفوق فلماذا يتم حجب وظائف ما عنهم؟.
ذكرت فى المقالين السابقين مقولة العلامة الدكتور محمود الطناحى: «لولا أولاد الفقراء لضاع العلم»، وأكررها الآن للتذكير عسى أن نتعظ قبل فوات الآوان.

الأربعاء، 14 يونيو 2017

نزع البركة .. الأسباب والعلاج







ميلاد جديد لائتلاف يونيو؟

فهمي هويدي

ميلاد جديد لائتلاف يونيو؟

نشر فى : الثلاثاء 13 يونيو 2017 - 9:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 13 يونيو 2017 - 10:02 م
هل تشهد مصر ميلادا جديدا لائتلاف يونيو؟ ــ السؤال من وحى صورة وقعت عليها قبل أيام لاجتماع بعض النشطاء والشخصيات العامة الذين التقوا فى مقر حزب «الدستور» يوم الأحد الماضى ١١/٦ لمناقشة تطورات موضوع جزيرتى تيران وصنافير ــ إذ أثار انتباهى فى الصورة أن بين الجالسين فى الصف الأول من الحضور بعض الشخصيات الوطنية البارزة التى تصدرت الدعوة لما سمى بائتلاف ٣٠ يونيو عام ٢٠١٣ الذى تشكل آنذاك لمواجهة حكم الإخوان. ولأنهم كانوا ضمن آخرين من النشطاء الحاليين قلت إن هذا التجمع حرى به أن يشكل نواة الميلاد الجديد للائتلاف الذى انفرط عقده. شجعنى على ذلك أن منظمى المؤتمر وجهوا الدعوة لحزب «مصر القوية» الذى يرأسه الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح للمشاركة فى الاجتماع، وفهمت أنه اعتذر عن عدم الحضور بسبب ظرف صحى طارئ ألم به، لكنه أوفد من يمثل الحزب ووجه رسالة إلى المجتمعين تليت أثناء اللقاء.
أزعم أن دائرة الإجماع الوطنى فى ذلك اللقاء أوسع بكثير منها فى عام ٢٠١٣. كما أن الظرف التاريخى اختلف تماما عنه فى ذلك العام. فموضوع ائتلاف عام ٢٠١٣ كان الصراع السياسى فى مصر، الذى أفضى إلى انقسام للصف الوطنى لازلنا نعانى من آثاره حتى الآن. كما أنه كان ضد نظام ارتكب أخطاء أثارت حفيظة بعض القوى الوطنية واستفزتها. أما فى الوقت الراهن فالموضوع المثار ليس صراعا بين القوى الوطنية ولكنه صراع موضوعه الوطن ذاته بحدوده وأرضه. وهو أمر يتجاوز الخلافات الأيديولوجية والحسابات الذاتية والمرارات التاريخية التى مزقت الأواصر وأضعفت الجميع. ورغم الانجازات العمرانية التى تحققت خلال السنوات الثلاث الماضية، إلا أن أحدا لا يستطيع أن يتجاهل تداعيات السياسات الاقتصادية التى ملأت البلد بالسخط والغضب أو الإجراءات القمعية التى تعرض لها النشطاء واستهدفت تقييد الحريات العامة وتقويض ركائز المجتمع المدنى، إلى غير ذلك من الأخطاء التى تستحق وقفة جادة من جانب المجتمع، ولتلك الوقفة أهميتها الخاصة فى الوقت الراهن الذى ثبت فيه أن المجتمع فقد الثقة فى المؤسسات التى يفترض أنها تمثله. وحالة اتفاقية ترسيم الحدود التى يفترض أن تؤدى إلى تسليم جزيرتى تيران وصنافير للسعودية نموذجية فى تجسيد الأزمة التى نحن بصددها، ذلك أن المصريين فوجئوا بالاتفاقية بقدر ما صدموا بمحتواها. إذ استيقظوا ذات صباح ليكتشفوا أن وطنهم الذى عرفوه نقص جزيرتين استراتيجيتين تربوا على أنها جزء من تراب بلادهم. وحين عرض الأمر على القضاء الإدارى المختص فإن حكمه النهائى الأخير قضى ببطلان الاتفاقية ومصرية الجزيرتين. لكن السلطة لم تكترث بذلك فلجأت إلى القضاء غير المختص وأحالت الأمر على البرلمان الذى ليس له أن ينظر فى قضية انعدم وجودها من الناحية القانونية.
لأنه برلمان الحكومة وليس الشعب فقد تمت الإحالة فى ظل الاطمئنان المسبق إلى أن المجلس لن يخذلها. وبدا واضحا أن هدف الإحالة ليس مناقشة الموضوع وإنما إخراجه على نحو يستكمل شكل وإجراءات التمرير. وتكفل رئيس البرلمان باتخاذ ما يلزم للاستجابة للرغبة الحكومية، إلا أن بعض النواب الغيورين أفسدوا السيناريو المرسوم فى يومه الأول على الأقل. إذ لم يملكوا سوى إعلان الاعتراض، وانتقدوا موقف رئيس البرلمان الذى كان واسع الصدر للمؤيدين وضائقه بالنسبة للمعارضين، وحين هتفوا «مصرية.. مصرية» فإنهم أسمعوا صوتهم للجماهير، التى احتفلت بهتافهم ورددته مواقع التواصل الاجتماعى طول الوقت.
لست متفائلا وأرجح أن التربيطات المسبقة ستؤدى إلى تمرير الاتفاقية فى التصويت الذى يفترض أن يتم اليوم أو غدا. وستكون الأغلبية المؤيدة كبيرة خصوصا إذا رفض رئيس المجلس التصويت العلنى عبر النداء بالاسم، وإذا تحقق المراد غدا فلن يكون ذلك نهاية المطاف ذلك أن اسئلة عدة ستطرح نفسها بعد غد. بعضها يتعلق بموقف الرافضين وهل سيستمرون فى عضويتهم بالمجلس أم لا؟. ثمة أسئلة أخرى تخص النخب القانونية الذين فهمت أنهم سيواصلون النضال القانونى من خلال المراهنة على نزاهة المحكمة الدستورية. أما الأسئلة المتعلقة بموقف الطبقة السياسية والقوى الوطنية فهى مصيرية وحارقة. ذلك أن المطروح عليها أن تكون أو لا تكون، وقد يكون ائتلاف يونيو فى ثوبه الجديد طوق النجاح لها. هناك سؤال كبير أخير عن حكم التاريخ فيما يجرى. وذلك وحده الذى نعرف الإجابة عليه.


فهمي هويدي
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.

الثلاثاء، 13 يونيو 2017

مجتمع ما بعد «التأميم»: الإدارة فى خدمة السياسة


فهمي هويدي

مجتمع ما بعد «التأميم»: الإدارة فى خدمة السياسة

فهمي هويدي




نشر فى : الإثنين 12 يونيو 2017 - 9:55 م | آخر تحديث : الإثنين 12 يونيو 2017 - 9:55 م
أجواء القطيعة التى خيَّمت على علاقة مصر بقطر تعيد إلى الأذهان معضلة ضبط علاقة السلطة بالمجتمع والإدارة بالسياسة.

(١)
حين انفجرت الأزمة الخليجية وصارت مصر طرفا فيها وصعد الإعلام المصرى لهجة التحريض والهجاء، نشرت صحف الصباح الخبر التالى: قررت مديرية الأوقاف فى محافظة البحيرة شطب أسماء القطريين الذين تبرعوا ببناء ٢٤ مسجدا فى قرى مركز أبوحماد، واستبدالها بأسماء الله الحسنى. ولم يكن لذلك من تفسير سوى أن الحملة الإعلامية اعتبرت دعوة للنفير العام من جانب السلطة، الأمر الذى دفع موظفى الأوقاف إلى محاولة تسجيل أسمائهم فى دفتر الولاء للسلطة والتجاوب معها، ليس فقط لأن من شأن ذلك أن يحسب لهم ولكن أيضا لاقتناعهم بأن معركة السلطة هى معركتهم ومن ثم فإن اصطفافهم إلى جانبها يعد واجبا لا سبيل للتحلل منه. لذلك أشك كثيرا فى أن يكون قرار مسئولى الأوقاف جاء تنفيذا لتوجيهات الوزير المختص، الذى نعلم جيدا أنه سباق فى مضمار المزايدة على السلطة والذوبان فيها. وأرجح أن يكون تصرف مسئولى الأوقاف كان تلقائيا وتم دون توجيه.
لم أعثر على تكذيب أو تصويب للخبر، لذلك سأتعامل معه باعتباره صحيحا حتى يثبت العكس. وقد استوقفنى لدلالته وليس لذاته، أعنى أن إزالة أسماء من تبرع ببناء المساجد من القطريين إجراء عبثى لا قيمة له. لأن من أقام مسجدا لوجه الله لا يهمه ولا يعنيه أن يكتب اسمه على قطعة من الرخام معلقة فى مدخله، ولا ينتقص منه أن يمحى الاسم، لأن ثوابه رفع إلى حيث يستعصى المحو ولا تطوله معاول البشر. وإنما فيه إدانة للفاعل وليس للمفعول به، مع ذلك فإن للأمر دلالاته التى تستحق الإثبات. إذ أزعم أننا بإزاء ظاهرة فى مصر ولسنا بصدد حادثة فردية. وهذه الظاهرة تتمثل فى أن السلطة السياسية حين تتبنى موقفا أو تتخذ إجراء بحق أى طرف مخالف لها حتى نفاجأ بأمرين، أولهما مسارعة أجهزة الدولة ومؤسساتها والحلقات المرتبطة بها إلى التضامن معها فى ذلك من خلال تبنى الموقف والتفاعل معه والمزايدة عليه، الأمر الثانى يتمثل فى استباحة الآخر والذهاب إلى أبعد مدى فى الاشتباك معه. وهى المهمة التى تتولاها المنابر والأبواق الإعلامية، التى أصبحت ضمن أسلحة «الدمار الشامل» التى تستخدمها السلطة ضد خصومها. وأقصد بالدمار الشامل فى هذه الحالة مهمة الاغتيال الأدبى والسياسى والإبادة الثقافية.

(٢)
يدلل على ما أدعيه أننا فوجئنا فى اليوم التالى لإعلان اشتراك مصر فى المعسكر المناوئ لقطر ببيان صادر عن الأزهر اقتحم المشهد وأعلن تأييده مقاطعتها وحصارها. حدث ذلك رغم أننا نعتبر الأزهر منارة وحصنا معرفيا للعالم الإسلامى غير مرتبط بالسياسة المصرية. ثم إن واجبه كمؤسسة دينية أن يظل داعيا إلى التواصل بين مكونات الجسم الإسلامى، وليس التنابز وتشجيع الخصومة والقطيعة بينها. ناهيك عن أن الأزهر لو التزم الصمت ونأى بنفسه عن المشاركة فى الخصومة، فإنه لن يحاسب على سكوته ولن يسأل أحد عن موقفه، ناهيك عن أنه سيظل محتفظا بهيبته وقامته. لكن الذين أصدروا بيان تأييد المقاطعة والحصار قبلوا بأن يعد ذلك خصما من رصيد الأزهر، مقابل أن يسجل ذلك نقطة لحسابهم فى دفتر السلطة.
أثار الدهشة فى هذا السياق أن الصحف المصرية نشرت أن حزبا مجهولا شكل وفدا من أعضائه للسفر إلى ميونيخ فى سويسرا حيث مقر «الفيفا» (الاتحاد الدولى لكرة القدم)، لكى يقدم طلبا عاجلا لسحب قرار تنظيم مونديال كأس العالم لسنة ٢٠٢٢ من قطر، رغم أن الحزب لا علاقة له بالرياضة فضلا عن أنه لا حضور له فى السياسة. لست متأكدا من جدية قادة الحزب، الذين أحسب أنهم يعلمون أن الفيفا لا يتعامل مع الأحزاب، لكن الذى أنت فيه أن نشر الخبر استهدف تسجيل نقطة فى دفتر الولاء تلتمس الرضا وتعلن الذوبان فى السلطة والتضامن معها فى الكيد لقطر وتجريحها.
الظاهرة ليست جديدة وإن استفحلت هذه الأيام نظرا لتعدد المعارك الصغيرة التى يخوضها النظام القائم، ولعلى رويت فى مقام سابق حكاية أجهزة السلطة مع فؤاد سراج الدين (باشا) إذ معلوم أنه بعد ثورة عام ١٩٥٢ انقلبت السلطة على أحزاب المرحلة الملكية وفى مقدمتها حزب الوفد الذى كان فؤاد باشا من قادته. وكان مفهوما أن تطوى صفحة قادة تلك الأحزاب وأن يصبحوا ضمن المنبوذين سياسيا، ولأن فؤاد باشا كان وزيرا للمواصلات يوما ما، فقد منحته هيئة السكك الحديدية بطاقة تخوله حق ركوب القطارات مجانا، وهو عرف كان متبعا مع كل من يشغل ذلك المنصب. وحين أصبح الرجل منبوذا سياسيا ألغيت البطاقة فى صمت، رغم أنها لم تكن تمثل أية أهمية له، وبعد أكثر من عشر سنوات، حين تولى الرئيس السادات السلطة وفتح الباب لشكل من أشكال التعددية السياسية سمح القضاء بعودة حزب الوفد مرة أخرى برئاسة فؤاد باشا، حينذاك فوجئ الرجل ذات صباح بأن بطاقة الركوب المجانى للقطارات أعيدت إليه فى صمت. ما يعنى أن هيئة السكك الحديدية ضبطت نفسها على مؤشر السلطة، إذ سحبت البطاقة حين نبذته، وأعادتها إليه حين رضيت عنه. ولم يكن المعيار هو مدى قانونية التصرف، لكنه كان اتجاهات الرياح السياسية، ومدى الرضى فيها أو الغضب.

(٣)
بحكم التاريخ وأمر الجغرافيا ظلت قوة السلطة المركزية حقيقة ثابتة وراسخة. إذ منذ فجر التاريخ مارس الفرعون سلطته فى ضبط النهر وضبط الناس، وهو من «استخف قومه فأطاعوه» كما يذكر القرآن الكريم، ولأن الدولة المركزية كانت ضرورة حتمية للبيئة الفيضية التى تعتمد فى مياهها ــ وفى استمرار حياتها ــ على مياه النيل، فقد كان الطغيان الفرعونى بدوره نتيجة حتمية للدولة المركزية. وبسبب وضعها الجغرافى صارت مصر أول وحدة سياسية وأول دولة موحدة فى التاريخ، لذلك فإنها على الأرجح مثلت أول طغيان فى الأرض، تضاءل فى ظله حجم الشعب بقدر ما تضخم وزن الحكم.
ما سبق ليس كلامى، ولكنه تلخيص مركز لوجهة نظر الدكتور جمال حمدان أستاذ الجغرافيا السياسية الأشهر، عرضها باستفاضة فى الجزء الثانى من موسوعته «شخصية مصر». وكنت قد أشرت إلى بعض جوانبها فى كتابات سابقة.
ظلت قوة السلطة المركزية سمة ملازمة لمختلف مراحل التاريخ المصرى، وإن تجلت فى أشكال عدة، كان استمرار إعلان الطوارئ من بينها، وكان ضعف الحالة الديمقراطية من تداعياتها. فى هذا الصدد يذكر المستشار طارق البشرى فى كتابه «جهاز الدولة وإدارة الحكم فى مصر المعاصرة»، أن مصر خلال ثلاثة أرباع القرن الأخير عاشت فى ظل حالة طوارئ ثابتة، اعتاد عليها جهاز الإدارة وتشكلت فى ظلها تجاربه ومهاراته وأساليب إدارته للشئون العامة وللتعامل مع المواطنين. بمعنى أنه فى «ثقافته» الإدارية وبحكم تجاربه وخبراته لم يعد يستطيع الحكم ولا ممارسة مهام عمله إلا فى ظل ما تنتجه حالة الطوارئ من سلطات وقدرات غير معتبرة، أى فى إطار سلطات طليقة من القيود.
إحدى النتائج المهمة التى أفرزتها تلك الخلفية تمثلت فى انسحاق جهاز الإدارة وذوبانه فى تضاريس القيادة السياسية، بحيث لم يعد خادما للمجتمع وإنما صار خادما للسلطان. وهو ما يفسر لنا المثل الذى ذاع ذات يوم الذى يقول: إن فاتك الميرى (عربة السلطة أو قطارها) تمرغ فى ترابه. بمعنى أنك إذا لم تصبح جزءا من السلطة، فعليك أن تنتسب إليها بأى شكل من الأشكال، حتى إذا تم ذلك من خلال التمرغ فى ترابها.

(٤)
إذا جاز ما سبق بالنسبة لموقف جهاز الإدارة فإنه لا ينطبق بالضرورة على المجتمع، ذلك أن ثمة شواهد دالة على أن قبضة السلطة السياسية على المجتمع تشتد وتضعف تبعا لمؤشر الحالة الديمقراطية فيه. وهذه الحالة لا تقاس فقط بمعيار هامش الحرية المتاحة للمجتمع وإنما تقاس أيضا بمدى احترام مبدأ الفصل بين السلطات.
آية ذلك مثلا أن موقف المجتمع فى مصر إزاء السلطة اختلف فى المراحل شبه الليبرالية التى مرت بها البلد. إذ لم ينسحق أو يذوب فيها كما حدث مع جهاز الإدارة. فنحن نذكر مثلا أنه فى أول انتخابات أجريت بعد دستور ١٩٢٣ (لاحظ أنه صدر بعد خمس سنوات من قيام ثورة ١٩١٩) كان الملك والحكومة وقتذاك معاديين لحزب الوفد، ومع ذلك صوتت الجماهير لصالحه بحيث حصل الوفد على ٩٠٪ من مقاعد البرلمان. ومما لا يكاد يصدق بمعايير زماننا أن رئيس الوزراء ووزير الداخلية آنذاك (يحيى باشا إبراهيم) هزم فى الانتخابات أمام مرشح «أفندى» دفع به سعد زغلول باشا زعيم الوفد لكى ينافسه فى دائرة منيا القمح بمحافظة الشرقية. كما نذكر أنه فى ظل دستور ١٩٢٣ أجريت ١٠ انتخابات تشريعية كانت ٦ منها حرة ونزيهة ظل حزب الوفد يفوز فيها طول الوقت، وكانت أضعف نسبة تصويت له فى انتخابات سنة ١٩٥١، التى حصل فيها الوفد على ٧٠٪ من أصوات الناخبين.
العامل المهم فى ذلك أن المجتمع كان له حزب يلتف حوله ويرفع صوته فى مواجهة السلطة، لكن مشكلة زماننا أننا نفتقد ذلك الحزب فى مصر، حيث أغلب الأحزاب إما صنعتها السلطة أو صارت ذيلا لها. وكانت النتيجة أن السلطة انفردت بالمجتمع وتمكنت منه على نحو استعاد نمط علاقات العصر الفرعونى، مع اختلاف وحيد هو أن وسائل الإعلام أصبحت تقوم بمهمة إعادة تشكيل الوعى وتزييفه. كما أنها تولت مهمة محو التاريخ وإعادة كتابته لتمجيد الوضع القائم، وهو الدور الذى قام به أعوان الفراعنة الذين كانوا يمحون التاريخ المكتوب على المسلات، ليكتبوا عليها تاريخ الفرعون الجديد. كانت المسلات الجرانيتية صحف الفرعون القومية!
إن المشكلة ليست فى شيوع التنافس على غلق السلطة والمزايدة عليها، فذلك عرض لمرض أكبر تمثل فى فقدان المجتمع لعافيته وحصاناته الأمر الذى أخضعه للتأميم، وأدخله فى طور الانسحاق والذوبان فى السلطة.

فهمي هويدي
فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.

الاثنين، 12 يونيو 2017

(الامن القومي العربي عامة و المصري خاصة)

 · 





(الامن القومي العربي عامة و المصري خاصة)
العوام المصرى

العوام المصرى مقال هام جدا و معلومات خطيرة عن الأهمية الإستراتيجية لجزيرتي تيران و صنافير بعنوان :
ما هو أبعد من «الجزيرتين» .. حقائق الأمن القومي
 إذا كنا ما زلنا نعتقد أن الأمن القومي العربي واحد، مصريا كان أو سعوديا أو عراقيا أو مغاربيا أو غير ذلك (من المحيط إلى الخليج) فالسؤال الذي أخشى أن يكون قد غاب عن الجميع هو: أي وضع «قانوني» للجزيرتين، هو الأفضل لاعتبارات هذا الأمن القومي؟ مع ملاحظة أنني أتحدث هنا عن الأمن القومي «العربي» لا المصري فقط !!
مصرية أم سعودية .. ما هو الأفضل للأمن القومي «العربي»؟
 الخبر الصادم (أو المفارقة، إن شئت) أنه في الذكرى الخمسين لهزيمة الخامس من يونيو التي دفع فيها ما يزيد على أحد عشر ألفا من المصريين أرواحهم دفاعا عن «الأرض»، والتي تصادف أن تواكبت هذا العام مع ذكرى العاشر من رمضان الذي دفع فيه آلاف من المصريين الآخرين أرواحهم على طريق استرداد «الأرض» !!
 لم يتردد صاحب القرار أن يدفع بالبرلمان المصري إلى مناقشة اتفاقية «تيران وصنافير» على الرغم من حكم بات ونهائي يجعلها كالعدم، وعلى الرغم من نص دستوري صريح يحرم التنازل عن «الأرض» تحت أي ظرف من الظروف. وعلى الرغم مما يعنيه ذلك كله سياسيا من إهدار المجلس النيابي لحكم قضائي بات !!
 بداية أعود لأكرر ما أوضحته مائة مرة فيما كتبت حول الموضوع، من التأكيد على أنني هنا لا أناقش الحجج القانونية لهذا الرأي أو ذاك (المحكمة حسمت المسألة في حيثيات من ٥٨ صفحة). إذ يبقى من المهم لكل «عربي»؛ مصريا كان أو سعوديا؛ لا فارق، الإجابة عن السؤال الذي وضعته على رأس هذا المقال: أي وضع «قانوني» للجزيرتين، سيكون الأفضل لاعتبارات الأمن القومي العربي (لا المصري فقط)؟ ومن ثم، فمن يا تُرى في مصلحته أن يهدر اعتبارات الأمن القومي «العربي» هكذا؟ ولصالح من(؟!)
 على الأشقاء، هنا وهناك أن يدركوا أن القضية ليست «مصرية / سعودية»، بل «عربية / إسرائيلية» !!!
و إليكم المعلومات التالية :
يفصل خليج العقبة (طوله ٩٦٦ ميلا) ما بين الساحل الشرقي لشبه جزيرة سيناء «المصرية»، والساحل الغربي لجزء من شمال المملكة العربية السعودية. وعند المدخل (الضيق) للمضيق تقع الجزيرتان «تيران وصنافير». وتبعد جزيرة تيران عن الساحل المصري ثلاثة أميال، وعن الساحل السعودي أربعة أميال ونصف !!
وتصنع الجزيرتان طبيعيا ثلاث ممرات من وإلى الخليج،
الأول منها بين ساحل سيناء وجزيرة تيران، وهو الوحيد الصالح للملاحة (عمقه ٢٩٠٠ مترا) واسمه ملاحيا ممر «إنتربرايز».
والثاني أيضا بين ساحل سيناء وجزيرة تيران، واسمه «جرافتون»، وعمقه لا يتجاوز (٧٣ مترا)،
في حين يقع الثالث بين الجزيرتين «تيران وصنافير». وعمقه ١٦ مترا فقط .
 وتكمن أهمية الجزيرتين (غير المأهولتين) في موقعهما الاستراتيجي على «بوابة» خليج العقبة. وهو ما يجعل من المتحكم في مضيق تيران المتحكم واقعيا في حركة الدخول والخروج إلى الخليج الذي يمثل المنفذ الوحيد إلى منطقة أم الرشراش التي احتلتها القوات الإسرائيلية في مارس ١٩٤٩ لتصبح ميناء إسرائيليا (إيلات).
 والحاصل أن الموقع الاستراتيجي للمضيق، جعل منه على الدوام رقما مهما في معادلات الأمن القومي لمصر، وصل إلى درجة أنه كان سببا مباشرا في اندلاع حرب ١٩٦٧.
في يوميات المضيق ذات الصلة بالأمن القومي (وهي كثيرة) منشور يحمل رقم ٣٩ لعام  ١٩٥٠ أصدرته مصلحة الموانئ والمنائر المصرية في ٢١ ديسمبر ١٩٥٠ (بعد حرب ١٩٤٨، وبناء على طلب وزارة الحربية)، وجرى توزيعه على جميع البعثات الأجنبية. ينص في بنده الأول على توجيه طلقات تحذيرية لأي سفينة حربية إسرائيلية أو تابعة لإسرائيل تحاول أن تمر في المياه الإقليمية بما في ذلك مضيق تيران !!
 كما ينص في بنده الثالث على ممارسة السلطات المصرية «الحربية» لحقها في التأكد من هوية ووجهة وطبيعة البضائع المحملة على السفن الأجنبية «المحايدة» العابرة للمضيق. «بحيث لا يعوق استخدام هذا الحق حرية المرور (البريء)، كما تقضي القواعد المستقرة في الأوضاع المماثلة».
 ممارسة لهذا الحق، نقرأ في يوميات المضيق أن السلطات المصرية أوقفت السفينة الأمريكية Albion في نوفمبر ١٩٥٣، ولم تسمح لها بالمرور إلا بعد التأكد من أنها تحمل شحنات من القمح إلى ميناء العقبة الأردني. في حين لم تسمح للسفينة الإيطالية Maria Antonia بالعبور بعدما اتضح أنها تحمل مواد ذات طبيعة استراتيجية في طريقها إلى ميناء إيلات الإسرائيلي.
 وتحكي يوميات المضيق أيضا كيف تذمرت حكومة «بريطانيا العظمى» يومها من هذه الإجراءات. الأمر الذي كان محلا لجدل كبير انتهى باعتراف البريطانيين بشرعية الإجراءات المصرية بشأن ممارسة سيادتها على مضيق تيران. (يرجى العودة إلى مذكرة السفير البريطاني فى القاهرة المرسلة إلى وزير الخارجية المصري فى ٢٩ يوليو ١٩٥١ في أعقاب أزمة السفينة الإنجليزية Empire Roach التي احتجزتها السلطات المصرية بعد أن رفض ربانها الامتثال للأوامر).
 في يوميات المضيق أيضا، أو في دلالتها ما كان من حرص مصر على ألا تنتقص اتفاقية الهدنة (بعد حرب ١٩٥٦) من السيادة المصرية على المضيق، باعتباره ضمن الإقليم المصري (بحكم سيادتها على الجزيرتين) بل والحرص المصري لاحقا على ألا تمس بنود معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية (١٩٧٩) والتي تنص مادتها الخامسة على «حرية الملاحة والعبور الجوي» بالوضع القانوني للمضيق ومياهه، وهو ما حرصت الدبلوماسية المصرية على تأكيده عند التصديق على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في يوليو ١٩٨٣.
والمعروف لذوي الاختصاص أن قانون البحار الدولي هذا الذي تضمنته اتفاقية ١٩٨٢٢ يعطي للدول الشاطئية سلطة على بحرها الإقليمي تتمثل في أمور عدة بينها ما يلي:
ــ حق اتخاذ الإجراءات الضرورية لمنع المرور غير البريء.
 ــ حق الإيقاف المؤقت للمرور «البريء» من مساحات معينة من البحر الإقليمي، «إذا كان هذا الإيقاف لازما لحماية أمن الدولة الساحلية».
ــ حق طلب مغادرة السفن الحربية للبحر الإقليمي في حالة عدم امتثالها لنظم الدولة الساحلية.
 وهو الأمر الذي يعرف الدبلوماسيون والعسكريون المصريون أن مصر مارسته مرارا وتكرارا (بحكم سيادتها على جزيرتي تيران وصنافير) دفاعا عن مصالحها الاقتصادية والأمنية.
 السيطرة على الممرات البحرية هي من أهم العوامل التي تعزز الأمن القومي. فلماذا نفرط هكذا في في أمننا القومي؟
 خلاصة القول إذن يمكننا أن نقرأها واضحة في حقائق الجغرافيا، والتاريخ، والقانون الدولي، فضلا عن الأمن القومي:
١١ـ في حقائق الجغرافيا: أن مضيق تيران (الذي يفصل بين جزيرة تيران وساحل سيناء) هو المنفذ الوحيد لخليج العقبة بوصفه الممر الوحيد الصالح للملاح.
٢٢ـ وفي حقائق القانون الدولي: أن الجزيرة إذا ظلت على حالها «مصرية»، فإن هذا الممر يظل مياها داخلية مصرية. ويظل لمصر «العربية» جميع حقوق السيادة على الممر. وعلى الرغم من أن اتفاقية السلام مع إسرائيل وبقواعد القانون الدولي تفرض حرية المرور «البريء» بالمضيق. (أكرر: «البريء»)، فإن هذا المبدأ يجري تعطيله زمن الحرب، ليصبح لمصر «العربية» الحق المطلق في فرض ما تريد من قواعد للمرور (أو منع المرور) في المضيق .
 أما في حال أصبحت الجزيرتان سعوديتين (بغض النظر عن الأسباب) فإن الممر يصبح تلقائيا ممرا «دوليا» بالتعريف، لا تملك مصر (ولا السعودية) قانونا أي سلطة عليه، لا في زمن السلم، ولا في زمن الحرب !!!!!
٣٣ـ وفي حقائق التاريخ: أن ذلك جرى فعلا غير مرة، وأوقفت مصر سفنا غربية كانت تحمل أسلحة ومواد استراتيجية إلى إسرائيل في الخمسينيات من القرن الماضي.
٤٤ـ وفي حقائق الأمن القومي: أن السيطرة على الممرات البحرية التي تؤمن المسارات التجارية «والعسكرية» هي من أهم العوامل التي تعزز الأمن القومي لأى دولة. ولذلك مثلا نفهم لماذا لا تزال بريطانيا متمسكة بجزر جبل طارق أمام الساحل الإسباني. ولماذا خاضت أحدث حروبها في العصر الحديث (أبريل ١٩٨٢) لتسترد سيطرتها على جزر الفوكلاند المقابلة للأرجنتين على الرغم من أنها تبعد عن الأراضي البريطانية آلاف الأميال.
 على هامش المسألة برمتها، لا أعرف إن كان هناك من انتبه (أو يعنيه أن ينتبه) إلى أن الإقرار بعدم تبعية الجزيرتين لمصر، يفقد قرار عبدالناصر بإغلاق خليج العقبة (مضيق تيران)، بوصفه «مياها مصرية» أمام الملاحة الإسرائيلية (٢٢ مايو ١٩٦٧) مشروعيته، ويجعل من حق الإسرائيليين مقاضاة مصر ومطالبتها بالتعويض.
وبعد..
 فإلى أي مدى يتصل القرار بشأن الجزيرتين بترتيبات إقليمية جديدة، هناك من يريد أن يفتح الطريق لها، محققا مكسبا استراتيجيا لم ينجح في الحصول عليه بالحرب على مدى عقود من الصراع؟
 أو بالأحرى، إلى أي مدى تتصل مسألة الجزيرتين «بصفقة القرن» التي وعد بها ترامب، وأشار إليها الرئيس في حضرته، وتحدث عنها الإسرائيليون بوضوح أكثر من مرة؟ ليس بوسعي أن أقطع بالإجابة، التي ربما يجادلنى فيها (على الرغم من وضوحها كالشمس) هذا أو ذاك من الذين يكتفون بالنظر تحت أقدامهم. ولكني كأي «عربي» حريص على الأمن القومي «العربي» وليس المصري فقط، ليس بوسعي، والشواهد دالة هكذا غير أن أستشعر القلق. وأدق على كل منضدة «عربية» بعلامات الاستفهام.
 يبقى أن ما ورد في السطور عاليه، كان موضوعا لأكثر من حوار دار بينى وبين عدد من المثقفين السعوديين (الأصدقاء)، والذين من حقهم عليّ أن أنوه هنا بأن اتفاقهم مع ما سبق لا يعبر إلا عن رقي فكري، وانتماء عربي «حقيقي» سما بهم فوق ترهات الاستقطاب وحمق نظرته الضيقة